فصل: كتاب الكفالة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


باب السلم

لما كان من أنواع البيوع ولكن شرط فيه القبض كالصرف أخرهما وقدمه على الصرف لأن الشرط في الصرف قبضهما ‏.‏ وفي السلم قبض أحدهما فهو بمنزلة المفرد من المركب ‏,‏ وهو في اللغة عبارة عن نوع بيع يعجل فيه الثمن ‏.‏ قيل وفي اصطلاح الفقهاء هو أخذ عاجل بآجل ‏,‏ وفي البحر نقلا عن الفتح ليس بصحيح لصدقه على البيع بثمن مؤجل وعرفه أولا بيع آجل بعاجل ‏,‏ والظاهر أن قولهم ‏:‏ أخذ عاجل بآجل تحريف من النساخ الجهلة ‏,‏ فاستمر النقل على هذا التحريف ‏.‏ انتهى ‏.‏ وعن هذا قال ‏(‏ هو بيع آجل بعاجل ‏)‏ لكن يجوز أن يقال المراد أخذ ثمن عاجل بآجل بقرينة المعنى اللغوي ‏;‏ إذ الأصل عدم التغيير إلا أن يثبت بدليل كما قاله بعض الفضلاء ‏.‏ وفي الدرر وهو مشروع بالكتاب وهو قوله تعالى ‏{‏ إذا تداينتم بدين ‏}‏ الآية ‏,‏ فإنها تشمل السلم والبيع بثمن مؤجل ‏,‏ وتأجيله بعد الحلول ‏,‏ والسنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم‏"‏ ‏,‏ وبالإجماع ويأباه القياس لأنه بيع معدوم لكنه ترك لما ذكر ولم يستدل بما روي ‏"‏أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم‏"‏ لأن محمد بن العز الحنفي قال في حواشي الهداية هذا اللفظ هكذا لم يرو من أحد من الصحابة في كتب الحديث وكأنه من كلام واحد من الفقهاء ‏,‏ انتهى ‏.‏

‏(‏ ويصح ‏)‏ السلم ‏(‏ فيما أمكن ضبط صفته ‏)‏ أي جودته ورداءته ونحو ذلك ‏(‏ ومعرفة قدره ‏)‏ أي مقداره أعم من الكيل والوزن والذرع لأنه لا يفضي إلى المنازعة ‏,‏ وفي البحر ‏:‏ السلم في العنب الفلاني في وقت كونه حصرما لا يصح والسلم في التفاح الشامي قبل الإدراك يصح لأنه يسمى تفاحا ‏(‏ لا في غيره ‏)‏ أي وما لا يمكن ضبط صفته ومعرفة قدره لا يصح السلم فيه لأنه يفضي إلى المنازعة ‏,‏ وهذه قاعدة كلية تبتنى عليها كثير مسائل السلم ‏.‏ فشرع المصنف في ذكر بعضها لتعرف باقيها بالتأمل فيها فقال مفرعا بما عليها ‏(‏ فيصح ‏)‏ السلم كما في الفرائد لكن لما كان المصنف شرع أن يبين الفصلين بالفاء فالأولى أن تكون تفصيلية ‏,‏ تدبر ‏(‏ في المكيل ‏)‏ كالبر والشعير ‏(‏ والموزون ‏)‏ كالعسل والزيت ‏(‏ سوى النقدين ‏)‏ من الدراهم والدنانير لا لأنهما موزونة ولكنهما غير مثمنين بل خلقا ثمنين فلا يجوز السلم فيها ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ يصح ‏(‏ في العددي المتقارب ‏)‏ وهو ما لا يتفاوت آحاده ‏(‏ كالجوز والبيض عددا وكيلا ‏)‏ لأنه معلوم مضبوط مقدور التسليم ‏,‏ وما فيه من التفاوت يهدر عرفا ولا خلاف في جوازه عددا وإنما الخلاف فيه كيلا ‏;‏ فعندنا يجوز كيلا ومنعه زفر كيلا وعنه منعه عددا أيضا للتفاوت وإنما جاز كيلا عندنا لوجود الضبط فيه ‏.‏ قيد بالمتقارب - ومنه الكمثرى والمشمش والتين - لأن العددي المتفاوت لا يجوز السلم فيه ‏,‏ وما تفاوتت ماليته متفاوت ‏,‏ كالبطيخ والقرع والرمان والسفرجل وغيرها ‏;‏ فلا يجوز السلم في شيء منها عددا للتفاوت إلا إذا ذكر ضابطا غير مجرد العدد كطول وغلظ وغير ذلك كما في البحر وغيره ‏.‏ لكن في شرح المجمع وذكر في المختلف ‏:‏ يجوز السلم في الجوز والبيض عددا وكيلا ووزنا ‏.‏ وقال زفر يجوز كيلا ووزنا ‏,‏ وكذا ذكر في المبسوط ‏.‏ وفي فتاوى الأفطس أجمعوا على أن السلم يجوز في الجوز كيلا ‏,‏ وفي البيض وزنا ‏.‏ انتهى ‏,‏ فعلى هذا يظهر مخالفة ما في البحر وغيره من أنه منعه زفر كيلا تدبر ‏.‏ ‏(‏ وكذا ‏)‏ في ‏(‏ الفلوس ‏)‏ أي يصح السلم فيها عددا لأن الثمنية فيها ليست خلقية ‏,‏ وإنما الجواز فيها بالاصطلاح فللعاقدين إبطالها ‏(‏ خلافا لمحمد ‏)‏ لأنها أثمان ‏.‏ وفي البحر ‏:‏ وظاهر الرواية عن الكل الجواز ‏,‏ وإذا بطلت ثمنيتها لا تخرج عن العد إلى الوزن للعرف ‏,‏ إلا أن يهدره أهل العرف كما هو في ديارنا في زماننا ‏,‏ وقد كانت قبل هذه الأعصار عددية في ديارنا أيضا ‏.‏ انتهى ‏,‏ فعلى هذا يكون اختيار المصنف غير الظاهر فلهذا قال خلافا لمحمد ‏,‏ لكن الأولى أن يقول وعن محمد تدبر ‏.‏ ‏(‏ وفي اللبن ‏)‏ بفتح اللام وكسر الباء ‏:‏ وهو الطوب الأحمز ‏,‏ وشرط في الخلاصة ذكر المكان الذي يعمل فيه اللبن ‏(‏ والآجر ‏)‏ بضم الجيم وتشديد الراء مع المد اللبن إذا طبخ ‏(‏ إذا سمي ملبن ‏)‏ بكسر الميم ‏,‏ وفتح الباء قالبهما ‏(‏ معلوم ‏)‏ لأن التفاوت حينئذ يكون أقل ‏.‏

‏(‏ وشرطه ‏)‏ أي شرط جواز السلم تسعة أشياء ذكر المصنف منها ثمانية الأول ‏(‏ بيان الجنس كبر أو شعير ‏,‏ و ‏)‏ الثاني بيان ‏(‏ النوع كسقية ‏)‏ بفتح السين وتشديد الياء أي مسقية وهي ما تسقى سيحا ‏(‏ أو بخسية ‏)‏ بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وهي ما تسقى بالمطر نسبة إلى البخس ‏;‏ لأنها مبخوسة الحظ من الماء بالنسبة إلى السيح غالبا ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ الثالث بيان ‏(‏ الصفة كجيد أو رديء ‏,‏ و ‏)‏ الرابع بيان ‏(‏ القدر نحو كذا رطلا أو كيلا بما لا ينقبض ولا ينبسط ‏)‏ فلا يجعل مثل الزنبيل كيلا لاحتمال الزيادة والنقصان ‏,‏ ويجعل مثل قربة الماء كيلا عند أبي يوسف للتعامل ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ الخامس بيان ‏(‏ أجل معلوم ‏)‏ إذ السلم لا يجوز إلا مؤجلا عندنا ‏.‏ وعند الشافعي الأجل ليس بشرط لأنه عليه الصلاة والسلام رخص فيه مطلقا ولنا قوله عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث ‏"‏إلى أجل معلوم‏"‏ ولأنه شرع رخصة للفقراء فلا بد من مدة ليقدر على التحصيل والتتميم والإيصال والتسليم ‏.‏ ‏(‏ وأقله ‏)‏ أي أقل الأجل في السلم ‏(‏ شهر في الأصح ‏)‏ روي ذلك عن محمد وعليه الفتوى لأن ما دونه عاجل ‏,‏ والشهر وما فوقه آجل ‏,‏ بدليل مسألة اليمين ‏:‏ حلف ليقضين دينه عاجلا فقضاه قبل تمام الشهر بر ‏,‏ وقيل ثلاثة أيام وقيل عشرة أيام وقيل أكثر من نصف يوم ‏.‏ وقال صدر الشهيد ‏:‏ والصحيح ما رواه الكرخي أنه مقدر بما يمكن فيه تحصيل المسلم فيه ‏.‏ وفي الفتح وهو جدير أن لا يصح لأنه لا ضابط يتحقق فيه ‏,‏ وكذا من رواية أخرى عن الكرخي أنه ينظر إلى مقدار المسلم فيه وإلى عرف الناس في تأجيل مثله ‏,‏ كل هذا تنفتح فيه المنازعات بخلاف المقدار المعين من الزمان ‏,‏ انتهى ‏,‏ وفي البحر هو جدير بأن يصح ويعول عليه فقط لأن من الأشياء ما لا يمكن تحصيله في شهر فيؤدي التقدير به إلى عدم حصول المقصود من الأجل وهو القدرة على تحصيله ‏,‏ انتهى هذا مسلم إن كان التقدير مخصوصا بالشهر لا بالزيادة فليس كذلك ‏;‏ لأن ما نحن فيه أقل بيان الأجل لا أكثره حتى يرد عليه قوله إن من الأشياء ما لا يمكن تحصيله إلى آخره ‏,‏ لأنه إن حصل في الشهر فبها وإن لم يحصل فيه واتفقا على زيادة عليه جاز بلا مانع ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ السادس بيان ‏(‏ قدر رأس المال إن كان كيليا أو وزنيا أو عدديا ‏)‏ أي وشرطه بيان قدر رأس المال إذا كان العقد يتعلق على مقداره وإن كان مشارا إليه عند الإمام ‏(‏ فلا يجوز في جنسين بلا بيان رأس مال كل منهما ‏)‏ يعني إذا أسلم مائة درهم في كر بر وكر شعير ‏,‏ ولم يبين رأس مال كل منهما لا يصح عنده لأن إعلام قدر رأس المال شرط فيقسم المائة على البر والشعير باعتبار القيمة ‏,‏ وهي تعرف بالظن فتكون مجهولة حتى لو كان من جنس واحد يصح لأن رأس المال ينقسم عليهما على السواء ‏(‏ ولا ‏)‏ يجوز السلم ‏(‏ بنقدين بلا بيان حصة كل منهما من المسلم فيه ‏)‏ كما في الوقاية يعني إذا أسلم عشرة دراهم وعشرة دنانير في عشرة أقفز بر لم تجز عنده لأن الدراهم والدنانير المذكورة إذا لم تعلم وزنا يلزم عدم بيان حصة كل منهما من المسلم فيه ‏,‏ وكذا إذا علم وزن واحد منهما دون الآخر حيث يلزم بطلان العقد في حصة ما لم يعلم ‏,‏ ويبطل في حصة الآخر للجهالة ولكون الصفقة واحدة ‏,‏ واعترض بأن هذا التصوير إنما يستقيم على عبارة الهداية وغيرها حيث قالوا ‏:‏ لو أسلم جنسين ولم يبين مقدار أحدهما فعلى هذا يكون غير المبين رأس المال ‏,‏ وأما في عبارة الوقاية فلكون الظاهر أن غير المبين هو حصة رأس المال من المسلم فيه وبينهما مخالفة ظاهرة ‏,‏ انتهى ‏.‏ وأجاب بعض الفضلاء ‏:‏ والحق أنه لا مخالفة لأن بيان الحصة من المسلم فيه بيان رأس المال كما لا يخفى ‏.‏ تأمل ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ السابع بيان ‏(‏ مكان إيفائه ‏)‏ أي إيفاء المسلم فيه ‏(‏ إن كان له حمل ‏)‏ بفتح الحاء الثقل ‏(‏ ومؤنة ‏)‏ كالحنطة ‏,‏ قيل ‏:‏ ما لا يحمل إلى مجلس القضاء مجانا ‏,‏ وقيل ‏:‏ ما لا يمكن رفعه بيد واحدة هذا عند الإمام ‏(‏ وعندهما لا يشترط معرفة قدر رأس المال إذا كان معينا ‏)‏ لأنه صار معلوما بالإشارة كما في الثمن والأجرة ‏.‏ وله أن جهالة قدر رأس المال قد يفضي إلى جهالة المسلم فيه بأن ينفق بعضه ‏,‏ ثم يجد بالباقي عيبا فيرده ‏,‏ ولا يتفق له الاستبدال في مجلس العقد فينفسخ العقد في المردود ويبقى في غيره ‏,‏ ولا يدري قدره فيفضي إلى جهالة المسلم فيه فيجب التحرز عن مثله ‏,‏ والموهوم في هذا العقد كالمتحقق لشرعه مع المنافي ‏.‏ وفي البحر ‏:‏ والأولى أن يعلل للإمام بأنه ربما لا يقدر على المسلم فيه فيحتاج إلى رد رأس المال فيجب أن يكون معلوما ‏,‏ وأما ما ذكروه فيندفع بما قدمناه من أن الانتقاد شرط بخلاف ما إذا كان رأس المال ثوبا لأن الذرع وصف فيه لا يتعلق العقد على مقداره ‏(‏ ولا ‏)‏ يشترط بيان ‏(‏ مكان الإيفاء ويوفيه في مكان عقده ‏)‏ عندهما لأن التسليم وجب بالعقد فتعين مكانه له ‏,‏ ولأنه لا يزاحمه مكان آخر فيه ‏;‏ فيصير نظير أول أوقات الإمكان في الأوامر وصار كالقرض والغصب ‏,‏ وللإمام أن التسليم غير واجب في الحال فلا يتعين بخلاف القرض والغصب وإذا لم يتعين فالجهالة فيه تفضي إلى المنازعة لأن قيم الأشياء تختلف باختلاف المكان فلا بد من البيان ‏,‏ وصار كجهالة الصفة وعن هذا قال من قال من المشايخ إن الاختلاف فيه عنده يوجب التحالف كما في الصفة ‏:‏ وقيل على عكسه لأن تعيين المكان من قضية العقد عندهما كما في الهداية ‏.‏ ‏(‏ ومثله ‏)‏ أي مثل المسلم فيه في الخلاف في اشتراط تعيين مكان الإيفاء ‏(‏ الثمن ‏)‏ المؤجل الذي لحمله مؤنة كما إذا باع ثوبا بمد حنطة مؤجلة فإنه يشترط بيان مكان إيفاء الحنطة عنده في الصحيح ‏,‏ وعندهما يتعين للإيفاء مكان العقد في الثمن وقيل لا يشترط في الكل ‏(‏ والأجرة ‏)‏ كما لو استأجر دارا أو دابة بمكيل أو موزون موصوف بالذمة فإنه يشترط بيان مكان الإيفاء عنده خلافا لهما ويتعين في إجارة الدار موضع الدار للإيفاء وموضع تسليم الدابة في إجارة الدابة ‏(‏ والقسمة ‏)‏ بأن اقتسما دارا ‏,‏ وجعلا مع نصيب أحدهما شيئا له حمل ومؤنة فعنده يشترط بيان مكان الإيفاء وعندهما يتعين مكان العقد ‏.‏ ‏(‏ وما لا حمل له ‏)‏ ولا مؤنة كالمسك والكافور ونحوهما ‏(‏ يوفيه حيث شاء في الأصح اتفاقا ‏)‏ قال صاحب الهداية وما لم يكن له حمل ومؤنة لا يحتاج فيه إلى بيان مكان الإيفاء بالإجماع ‏;‏ لأنه لا تختلف قيمته ويوفيه في المكان الذي أسلم فيه وهذه رواية الجامع الصغير في البيوع ‏,‏ وذكر في الإجارات يوفيه في أي مكان شاء وهو الأصح ‏,‏ لأن الأماكن كلها سواء ولا وجوب في الحال ‏,‏ ولو عينا مكانا قيل ‏:‏ لا يتعين لأنه لا يفيد ‏,‏ وقيل ‏:‏ يتعين لأنه يفيد سقوط خطر الطريق ‏,‏ انتهى ‏,‏ فعلى هذا قول المصنف في الأصح احتراز عن رواية الجامع الصغير ‏,‏ وقوله اتفاقا قيد لعدم الاحتياج إلى بيان الإيفاء وتعيينه إذ لم يكن له حمل ولا مؤنة ‏;‏ فلا وجه لما قيل من أن قول المصنف يوفيه حيث شاء في الأصح اتفاقا لا يخلو عن شيء لأنه يشعر بأن الإيفاء حيث شاء متفق عليه في الأصح وإن ذكر بعضهم أنه مختلف فيه ‏,‏ وليس الأمر كذلك ‏,‏ تدبر ‏,‏ قيل هذا إذا أمكن الإيفاء في موضع العقد إذ لو كان العقد في لجة البحر أو قلة الجبال يوفيه في أقرب الأماكن من مكان العقد ‏.‏ وفي التنوير ‏:‏ شرط الإيفاء في مدينة فكل محلاتها سواء في الإيفاء حتى لو أوفاه في محلة منها برئ ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ الثامن ‏(‏ قبض رأس المال ‏)‏ ولو غير نقد بالتخلية ‏(‏ قبل التفرق ‏)‏ أي قبل تفرق العاقدين بالبدن لأن السلم أخذ آجل بعاجل وذلك بالقبض قبل الافتراق ‏,‏ فلا يضر القبض بعد مشيهما فرسخا أو أكثر أو نومهما ‏,‏ والافتراق أن يتوارى أحدهما صاحبه حتى لو دخل رب السلم بيته لإخراج الدراهم ولم يغب عن عين صاحبه لا يكون افتراقا ‏.‏ ‏(‏ شرط بقائه ‏)‏ أي بقاء العقد على الصحة لا شرط انعقاده فينعقد صحيحا بدونه ‏,‏ ثم يفسد بالافتراق بلا قبض فلو أبى المسلم إليه قبضه في المجلس أجبر عليه وفيه إشارة إلى أن شرط الخيار مفسد للسلم لأنه يمنع تمام القبض ‏.‏ والشرط التاسع الذي لم يذكره المصنف هو القدرة على تحصيل المسلم فيه وزاد صاحب البحر تسعا أخر فليطالع ‏.‏ ‏(‏ فلو ‏)‏ تفريع على قوله وقبض رأس المال ‏(‏ أسلم ‏)‏ رجل إلى آخر ‏(‏ مائة نقدا ومائة دينا على المسلم إليه في كر بطل ‏)‏ السلم ‏(‏ في حصة الدين فقط ‏)‏ سواء كان العقد مطلقا بأن قال ‏:‏ أسلمت إليك مائتي درهم في كر حنطة ‏,‏ ثم جعلا مائة من رأس المال تقاصا بالدين ‏,‏ أو مقيدا بأن أسلمت إليك في مائة نقد ومائة دين لي عليك وسواء أضيف إلى دراهم بعينها أو لا وذلك لفقدان القبض ‏.‏ وإنما قال دينا على المسلم إليه لأنه لو كان الدين على الأجنبي فهو غير صحيح في حق الكل حتى لو نقد الكل من ماله في المجلس لم ينقلب جائزا بخلاف ما إذا كان الدين على المسلم إليه فإنه بالنقد في المجلس ينقلب إلى الجواز ‏.‏ وعند زفر السلم باطل في الكل لسريان الفساد ‏(‏ ولا يجوز التصرف في رأس المال أو المسلم فيه قبل قبضه ‏)‏ أي قبل قبض المسلم إليه رأس المال وقبل قبض رب السلم المسلم فيه ‏(‏ بشركة أو تولية ‏)‏ لأن المسلم فيه مبيع والتصرف فيه قبل القبض لا يجوز ‏,‏ ولرأس المال شبه بالمبيع فلا يجوز التصرف قبل القبض ففي التولية تمليكه بعوض وفي الشركة تمليك بعضه بعوض فلا يجوز ‏.‏ وصورة الشركة فيه أن يقول رب السلم لآخر ‏:‏ أعطني نصف رأس المال ليكون نصف المسلم فيه لك ‏.‏ وصورة التولية أن يقول ‏:‏ أعطني مثل ما أعطيت المسلم إليه حتى يكون المسلم فيه لك وإن خصهما بالذكر لأنهما أكثر وقوعا من غيرهما ‏.‏

مسائل شتى في البيع

‏(‏ مسائل ‏)‏ خبر مبتدأ محذوف أي هذه مسائل ‏(‏ شتى ‏)‏ جمع شتيت وعبر عنها في الهداية بمسائل منثورة ‏,‏ وعبر في التنوير بالمتفرقات ‏,‏ والمعنى واحد ‏,‏ وحاصلها أن المسائل التي تشتتت على الأبواب المتقدمة فلم تذكر فيها إذا استذكرت سميت بها متفرقات من أبوابها أو منثورة على أبوابها ‏.‏ ‏(‏ يصح بيع الكلب والفهد وسائر السباع علمت ‏)‏ الكلب والفهد والسباع ‏(‏ أو لا ‏)‏ عندنا لحصول الانتفاع بهم حراسة أو اصطيادا وعن أبي يوسف لا يصح بيع الكلب العقور لأنه لا ينتفع به حراسة كالهوام المؤذية ‏,‏ وذكر في المبسوط أنه لا يجوز بيع الكلب العقور الذي لا يقبل التعليم ‏,‏ وقال هذا هو الصحيح من المذهب ‏,‏ وهكذا يقول في الأسد - إذا كان يقبل التعليم ويصاد به - ‏:‏ إنه يجوز بيعه ‏,‏ وإن كان لا يقبل التعليم والاصطياد به لا يجوز والفهد والبازي يقبلان التعليم فيجوز بيعهما على كل حال انتهى وأجيب بأنه ينتفع بجلده لأنه يطهر بالدباغ ‏,‏ ويكون المتلف ضامنا ‏;‏ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في كلب بأربعين درهما من غير تخصيصه بنوع ‏.‏ وقال الشافعي لا يصح بيع الكلب مطلقا وهو قول أحمد وبعض أصحاب مالك ‏.‏

كتاب الصرف

كتاب ‏(‏ الصرف ‏)‏ وجه المناسبة بالبيع وتأخيره ظاهر ‏(‏ هو ‏)‏ لغة النقل والزيادة وشرعا هو ‏(‏ بيع ثمن بثمن ‏)‏ أي ما خلق للثمنية ‏(‏ تجانسا ‏)‏ كبيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب ‏(‏ أو لا ‏)‏ كبيع الذهب بالفضة أو بالعكس ‏,‏ ودخل تحت قولنا ما خلق للثمنية بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد ‏,‏ فإن المصوغ بسبب ما اتصل به من الصنعة لم يبق ثمنا صريحا ولهذا يتعين في العقد ‏,‏ ومع ذلك بيعه صرف لأنه خلق للثمنية ‏.‏

كتاب الكفالة

كتاب الكفالة عقب البيوع بذكر الكفالة لأنها لا تكون إلا في البياعات غالبا ‏,‏ ولأنها إذا كانت بأمر كان فيها معنى المعاوضة انتهاء فناسب ذكرها عقيب البيوع التي هي معاوضة ‏,‏ و ‏(‏ هي ‏)‏ في اللغة الضم قال الله تعالى ‏{‏ وكفلها زكريا ‏}‏ أي ضمها إلى نفسه ‏,‏ وقرئ بتشديد الفاء ونصب زكريا أي جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها ‏.‏ وفي الشرع ‏(‏ ضم ذمة ‏)‏ أي ذمة الكفيل ‏(‏ إلى ذمة ‏)‏ أي إلى ذمة الأصيل ‏(‏ في المطالبة ‏)‏ ‏,‏ وفي المنح ‏:‏ وأصله أن الكفيل والمكفول عنه صارا مطلوبين للمكفول له ‏,‏ سواء كان المطلوب من أحدهما هو المطلوب من الآخر كما في الكفالة بالمال أو لا كما في الكفالة بالنفس فإن المطلوب من الأصيل المال ومن الكفيل إحضار النفس ‏,‏ ولفظ المطالبة بإطلاقه ينتظمهما هذا على رأي بعضهم ‏,‏ وجزم المولى مسكين في شرح الكنز بأن المطلوب منهما واحد وهو تسليم النفس فإن المطلوب عليه تسليم النفس ‏,‏ والكفيل قد التزمه ‏,‏ إذا علمت هذا ظهر لك أنه لا يحتاج إلى قول صاحب الدرر في مطالبة النفس أو المال أو التسليم لأن المطالبة تشمل ذلك ‏,‏ انتهى ‏.‏ لكن فيه كلام لأن صاحب الدرر قال بعده ‏:‏ وإنما اخترت تعريفا صحيحا متنا ولا لجميع الأقسام صريحا ‏,‏ ولا صراحة فيما نقل صاحب المنح عن المولى المسكين بل على طريق الشمول والتصريح أولى في التعريف ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ لا في الدين ‏)‏ كما قاله بعضهم لكنه ‏(‏ هو ‏)‏ أي كونه ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة ‏(‏ الأصح ‏)‏ لأن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس ‏,‏ ولا دين ثمة وكما تصح بالأعيان المضمونة بنفسها ولأنه لما يثبت الدين في ذمة الكفيل ولم يبرأ الأصيل صار الدين الواحد دينين وقلب الحقيقة ‏,‏ فلا يصار إليه إلا عند الضرورة كما في العناية وغيرها لكن فيه كلام ‏;‏ لأن معنى قلب الحقائق عند المحققين انقلاب واحد من الواجب والممتنع والممكن إلى الآخر ‏,‏ والدين فعل واجب في الذمة وهو ههنا تمليك مال بدلا عن شيء كما في القهستاني ‏.‏ وقال المولى أخي في حاشيته ‏:‏ تعليل صاحب العناية يعطي عدم صحة الثاني مع أن مقتضى صيغة التفضيل صحته ‏,‏ اللهم إلا أن يلغى معنى الأفضلية فيها كما صرح به في شرح المفتاح فكأنه قال الصحيح الأول فاندفع ما ذكر الأستاذ في شرح الغرر ‏,‏ انتهى ‏.‏ هذا مخالف لاصطلاح الفقهاء فإنهم لا يستعملون الأصح في معنى الصحيح بل في مقابلة الصحيح ‏,‏ تدبر ‏.‏

أركان الكفالة

وأما ركنها فإيجاب وقبول بالألفاظ الآتية ‏,‏ ولم يجعل أبو يوسف في قوله الآخر القبول ركنا فجعلها تتم بالكفيل وحده في المال والنفس ‏.‏ وشرطها كون المكفول به مقدور التسليم من الكفيل ‏,‏ وفي الدين كونه صحيحا ‏,‏ وحكما لزوم المطالبة على الكفيل بما هو على الأصيل نفسا أو مالا ‏.‏ والمدعي مكفول له ‏,‏ والمدعى عليه مكفول عنه ‏,‏ والنفس أو المال مكفول به ‏,‏ والمكفول عنه والمكفول به في الكفالة بالنفس واحد ‏.‏

أنواع الكفالة

‏(‏ وهي ‏)‏ الكفالة ‏(‏ ضربان ‏)‏ كفالة ‏(‏ بالنفس ‏,‏ و ‏)‏ كفالة ‏(‏ بالمال ‏)‏ خلافا للشافعي في الكفالة بالنفس ‏,‏ إذ عنده لا تجوز الكفالة بالنفس في قول لأنه غير قادر على تسليم المكفول له حيث لا ينقاد له بل يمانعه ‏,‏ ويدافعه بخلاف الكفالة بالمال لقدرته على مال نفسه ‏,‏ ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏الزعيم غارم‏"‏‏.‏ وجه الاستدلال به أنه بإطلاقه يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها ‏,‏ لا يقال ‏:‏ لا غرم في كفالة النفس لأنا نقول الغرم لزوم ضرر عليه ‏,‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏ إن عذابها كان غراما ‏}‏ ويمكن العمل بموجبها بأن يخلى بينه وبينه على وجه لا يقدر أن يمتنع عنه ‏,‏ أو بأن يستعين بأعوان القاضي على تسليمه مع أن الظاهر أنه إنما يتكفل بنفس من يقدر على تسليمه وينقاد له ‏,‏ وأيضا إلزام الشيء على نفسه يصح ‏,‏ وإن كان لا يقدر على ملتزم عليه غالبا كمن نذر أن يحج ألف حجة يلزمه ذلك ‏,‏ وإن كان لا يعيش ألف سنة ‏.‏ ‏(‏ فالأولى ‏)‏ أي كفالة النفس ‏(‏ تنعقد بكفلت بنفسه وبرقبته ونحوها ‏)‏ أي نحو الرقبة ‏(‏ مما يعبر به عن ‏)‏ جميع ‏(‏ البدن ‏)‏ عرفا كالبدن والجسد والروح والرأس والوجه والعنق والعين والفرج - إذا كانت امرأة - بخلاف اليد والرجل ‏(‏ أو بجزء شائع منه كنصفه أو عشره ‏)‏ أو ثلثه أو ربعه أو نحوها لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ فكان ذكر بعضها شائعا كذكر كلها ‏.‏ وفي السراج ولو أضاف الجزء إليه بأن قال الكفيل ‏:‏ كفل لك نصفي أو ثلثي فإنه لا يجوز ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ تنعقد ‏(‏ بضمنته ‏)‏ أي بقوله ضمنت لك فلانا لأنه تصريح بمقتضاه ‏(‏ أو هو علي ‏)‏ لأن كلمة علي للإلزام فكأنه قال ‏:‏ أنا ملتزم تسليمه ‏(‏ أو إلي ‏)‏ لأن إلي بمعنى علي ‏,‏ قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا أي يتيما أو عيالا فإلي‏"‏ وروي علي لكونهما بمعنى ‏(‏ أو أنا زعيم ‏)‏ لأن الكفيل يسمى زعيما قال الله - تعالى - حكاية عن صاحب يوسف ‏"‏وأنا به زعيم‏"‏ أي كفيل ‏(‏ أو قبيل به ‏)‏ أي بفلان لأن القبيل هو الكفيل ‏,‏ ولهذا سمي الصك قبالة لأنه يحفظ الحق ‏.‏ ‏(‏ لا ‏)‏ تنعقد ‏(‏ بأنا ضامن لمعرفته ‏)‏ لأنه التزم معرفته دون المطالبة ‏.‏ وقال أبو يوسف يصير ضامنا للعرف ‏,‏ وقال أبو الليث ‏:‏ هذا القول عن أبي يوسف غير مشهور ‏,‏ والظاهر ما روي عنهما وبظاهر الرواية يفتى كما في أكثر الكتب ‏.‏ وفي التنوير وينعقد بقوله أنا ضامن حتى يجتمعا أو يلتقيا ويكون كفيلا إلى الغاية ‏,‏ وقيل لا ينعقد لعدم بيان المضمون هل هو نفس أو مال ‏.‏ قيد بالمعرفة لأنه لو قال ‏:‏ أنا ضامن تعريفه ‏,‏ أو علي تعريفه ففيه اختلاف المشايخ ‏,‏ والوجه اللزوم كما في البحر ولو قال أنا ضامن لوجهه فإنه يؤخذ لوجهه به ‏,‏ ولو قال ‏:‏ أنا أعرفه لا يكون كفيلا ‏,‏ وكذا لو قال ‏:‏ أنا كفيل لمعرفة فلان ‏,‏ ولو قال ‏:‏ معرفة فلان علي ‏,‏ قالوا ‏:‏ يلزمه أن يدل عليه كما في الخانية ولو قال ‏"‏ فلان آشناء منست أو آشناست ‏"‏ صار كفيلا بالنفس عرفا ‏,‏ وبه يفتى في المضمرات ‏(‏ وصح أخذ كفيلين وأكثر ‏)‏ لأن حكم الكفالة استحقاق المطالبة وهو يحتمل التعدد ‏,‏ فالتزام الأول لا يمنع الثاني على أن المقصود منها التوثق ‏,‏ وأخذ كفيل آخر وآخر زيادة في التوثق فصحت الثانية مع بقاء الأولى وكذا الثالثة فما فوقها ‏.‏ ‏(‏ ويجب فيها ‏)‏ أو في الكفالة بالنفس على الكفيل ‏(‏ إحضار مكفول به ‏)‏ وهو النفس ‏(‏ إذا طلبه المكفول له ‏)‏ وهو المدعي وفاء بما التزمه ‏(‏ فإن لم يحضره ‏)‏ أي إن لم يحضر الكفيل المكفول به بعد الطلب بغير عجز ‏(‏ حبس ‏)‏ على صيغة المبني للمفعول أي حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء ما وجب عليه ‏,‏ ولكن لا يحبسه أول مرة حتى يظهر مطله ‏,‏ لأنه جزاء الظلم وهو ليس بظالم قبل المطل هذا إذا أقر بالكفالة بالنفس أما إذا أنكرها ‏,‏ وثبتت بالبينة عند الحاكم فيحبسه أول مرة في ظاهر الرواية ‏,‏ قال الخصاف لا يحبسه أول مرة ولو ثبت بالبينة وقيدنا بغير عجز لأنه إن عجز فلا حبس بل يلازمه الطالب ‏.‏ ‏(‏ وإن عين ‏)‏ أي الكفيل ‏(‏ وقت تسليمه ‏)‏ أي المكفول به ‏(‏ لزمه ‏)‏ أي الكفيل ‏(‏ ذلك ‏)‏ أي إحضار المكفول به ‏(‏ فيه ‏)‏ أي في الوقت الذي عينه ‏(‏ إذا طالبه ‏)‏ المكفول له في ذلك الوقت أو بعده لأنه التزمه كذلك ‏(‏ فإن سلمه ‏)‏ إليه ‏(‏ قبل ‏)‏ مجيء ‏(‏ ذلك ‏)‏ الوقت ‏(‏ برئ ‏)‏ الكفيل ‏,‏ وإن لم يقبله المكفول له لأنه ما التزم تسليمه إلا مرة وقد أتى به ‏.‏ وفي المنح إذا كفل إلى ثلاثة أيام كان كفيلا بعد الثلاثة ‏,‏ ولا يطالب في الحال في ظاهر الرواية وبه يفتى ‏,‏ وإذا قال ‏:‏ أنا كفيل بنفس فلان من اليوم إلى عشرة أيام صار كفيلا في الحال فإذا مضت العشرة خرج عنها ‏.‏ ولو قال ‏:‏ أنا كفيل بنفسه إلى عشرة فإذا مضت العشرة فأنا بريء ‏,‏ قال ابن الفضل لا مطالبة عليه بها لا فيها ولا بعدها ‏.‏ وقال أبو الليث ‏:‏ الفتوى على أنه لا يصير كفيلا ‏.‏ وهذا حيلة لمن يلتمس منه الكفالة ولا يريد أن يصير كفيلا ‏.‏ وفي الواقعات ‏:‏ الفتوى على أنه يصير كفيلا كما في البحر ‏(‏ فإن غاب المكفول به وعلم مكانه أمهله الحاكم مدة ذهابه ‏,‏ وإيابه ‏)‏ وهو مقيد بما إذا أراد الكفيل السفر إليه ‏,‏ فإن أبى حبسه للحال من غير إمهال كما في البزازية ‏(‏ فإن مضت ‏)‏ المدة ‏(‏ ولم يحضره ‏)‏ مع إمكان الإحضار ‏(‏ حبسه ‏)‏ الحاكم لما ذكرناه ‏.‏ ‏(‏ وإن غاب ‏)‏ المكفول به ‏(‏ ولم يعلم مكانه لا يطالب به ‏)‏ لأنه عاجز فعلى هذا التجأ إلى باب الجائر ينبغي أن لا يطالب به لتحقق العجز كما في الزاهدي ‏.‏ وفي البحر ولا بد من ثبوت أنه غائب لم يعلم مكانه إما بتصديق الطالب أو ببينة فإن اختلفا ولا بينة ‏,‏ فقال الكفيل ‏:‏ لا أعرف مكانه ‏,‏ وقال الطالب ‏:‏ تعرفه فإن كان له خرجة معلومة للتجارة في كل وقت فالقول للطالب ويؤمر الكفيل بالذهاب إلى ذلك الموضوع ‏,‏ وإلا فالقول للكفيل لتمسكه بالأصل وهو الجهل ‏.‏ ولو علم أن المكفول به أريد ولحق بدار الحرب يؤجل الكفيل ولا تبطل باللحاق بدار الحرب ‏,‏ وقيده في الذخيرة بما إذا كان الكفيل قادرا على رده بأن كان بيننا وبينهم مواعدة أنهم يردون إلينا المرتد ‏,‏ وإلا لا يؤاخذ به ‏,‏ ثم كل موضع قلنا ‏:‏ إنه يؤمر بالذهاب إليه للطالب أن يستوثق بكفيل من الكفيل حتى لا يغيب الآخر ‏.‏

فصل‏:‏ دفع الأصيل المال إلى كفيله

فصل ‏(‏ ولو دفع الأصيل المال إلى كفيله ‏)‏ ليدفعه إلى الطالب ‏(‏ قبل دفع الكفيل إلى الطالب لا يسترده ‏)‏ أي لا يسترد الأصيل المال المدفوع ‏(‏ منه ‏)‏ أي من الكفيل لأنه تعلق به حق القابض على احتمال قضائه الدين ‏,‏ فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال كمن عجل زكاته ورفعها إلى الساعي ‏,‏ وإنما ينقطع هذا الاحتمال بأداء الأصيل بنفسه فإذا أدى بنفسه يسترد من الكفيل ما أخذه ولأنه ملكه بالقبض ‏,‏ وإطلاقه شامل ما إذا كان الدفع على وجه الرسالة بأن قال ‏:‏ خذ هذا المال ‏,‏ وأعط الطالب فلا يسترد ‏,‏ لكنه لا يملكه بالقبض لتمحضه أمانة في يده ‏,‏ وإن دفعه على وجه الاقتضاء بأن قال له ‏:‏ إني لا آمن أن يأخذ الطالب حقه منه فأنا أقضيك المال قبل أن تؤديه لم يكن رسالة ‏,‏ والفرق بينهما إنما هو من جهة الملك المدفوع للقابض ‏,‏ وعدمه ‏,‏ وأما ما قاله الفاضل المعروف بابن الشيخ في شرح الوقاية من أنه لو دفع على وجه الرسالة فله أن يسترد ‏,‏ لأنه محض أمانة في يده مخالف لأكثر المعتبرات كما لا يخفى ‏,‏ تدبر ‏.‏ وأشار إلى أن بالكفالة صار للكفيل على الأصيل دين لو كفل بأمره ‏,‏ ولذا لو أخذ الكفيل منه رهنا قبل أن يؤدي عنه جاز ولو أبرأه الكفيل أو وهبه قبل الأداء عنه صح حتى لو أدى عنه لم يرجع ‏,‏ فثبت أن له دينا عليه لكن لا رجوع له قبل الأداء كما في البحر ‏(‏ وما ربح فيه الكفيل فله ‏)‏ أي للكفيل يعني أن الربح الذي حصل في هذا المال بمعاملة الكفيل حلال طيب له ‏(‏ ولا يتصدق به ‏)‏ لما ذكر أنه حصل على ملكه ‏,‏ ولا فرق بين أن يكون قضى الدين هو أو قضى الأصيل كما في البحر ‏,‏ وهو مقيد بما إذا قبضه على وجه الاقتضاء وأما إذا قبضه على وجه الرسالة فإنه لا ملك له فلا يطيب له الربح على قولهما ‏.‏ وعند أبي يوسف يطيب له ‏(‏ ورده ‏)‏ أي رد الربح ‏(‏ إلى المطلوب أحب إن كان المدفوع شيئا يتعين كالبر ‏)‏ يعني إذا كانت الكفالة بكر بر ‏,‏ فقبضه الكفيل من المكفول عنه وباعه وربح فيه فالربح للكفيل لكن يستحب له أن يرده على المكفول عنه ‏,‏ ولا يجبر عليه عند الإمام في رواية الجامع الصغير وهذا إذا قضى الأصيل الدين ‏(‏ خلافا لهما ‏)‏ أي قالا ‏:‏ هو له ولا يرده ‏,‏ وهو رواية عن الإمام ‏,‏ وعنه أنه يتصدق به ‏.‏ قيد بما يتعين لأن ربح ما لا يتعين لا يستحب رده على المطلوب ‏,‏ وهل يطيب للأصيل إذا رده الكفيل عليه ‏؟‏ قال في العناية ‏:‏ إن كان الأصيل فقيرا طاب له ‏,‏ وإن كان غنيا ففيه روايتان ‏,‏ والأشبه أن يطيب لأنه إنما يرد عليه على أنه حقه ‏.‏

باب كفالة الرجلين والعبدين

لما فرغ من ذكر كفالة الواحد ذكر كفالة الاثنين لأن الاثنين بعد الواحد طبعا فأخر وضعا ‏.‏ ‏(‏ دين عليهما ‏)‏ أي على الاثنين لآخر بأن اشتريا منه ثوبا ‏,‏ و ‏(‏ كفل كل ‏)‏ واحد من الاثنين ‏(‏ عن صاحبه ‏)‏ جاز العقد لعدم المانع ‏,‏ إذ يكون كل واحد منهما في النصف أصيلا وفي النصف الآخر كفيلا ‏(‏ فما أداه أحدهما ‏)‏ أي فما أدى أحدهما من الدين نصفه ‏(‏ لا يرجع به ‏)‏ أي بما أدى ‏(‏ على الآخر ‏)‏ أي على شريكه ‏,‏ وإن عين عن نصيب صاحبه ‏,‏ لأن وقوع الأداء عما هو عليه أصالة أولى من وقوعه كفالة ‏;‏ إذ الأول دين مع المطالبة ‏,‏ والثاني مطالبة فقط ولأنه لو وقع في النصف صاحبه كان لصاحبه أن يرجع عليه بأن يجعل المؤدى عنه لأن المؤدي نائبه ‏,‏ وأداء نائبه كأدائه فيؤدي إلى الدور ‏(‏ إلا إذا زاد على النصف ‏)‏ فينصرف إلى ما عليه كفالة فيرجع على شريكه إن كفل بأمره ‏.‏